السيد عبد الأعلى السبزواري

33

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

وأصل معناه من الاضطراب . وهو اسم جنس له أنواع كثيرة تعرف بالقرائن المحفوفة بالكلام ومع عدمها يرجع إلى العموم . والمعنى : إنّ القرآن أنزل في شهر رمضان لهداية الناس إلى الصراط المستقيم بحسب اختيارهم ، ولا معنى للهداية الجبرية وإن كانت مقدورة للّه تعالى ، قال عز وجل : أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [ الرعد - 31 ] . ولكن عنايته الأزلية اقتضت أن تكون اختيارية لأنّ الكمال في الهداية بالاختيار . قوله تعالى : وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ البينات جمع البينة ، وهي الدلالة الواضحة الكافية عقلا لإتمام الحجة ، قال تعالى : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [ الأنفال - 42 ] . والفرقان : ما يفرق بين الحق والباطل ، وهو كثير مثل الكتب السماوية ، قال تعالى : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ البقرة - 53 ] . والزمان الذي يغلب فيه الحق على الباطل ، قال تعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [ الأنفال - 41 ] . والمكان الذي يقضى فيه بالحق ويعمل فيه . والمعاجز الصادرة من الأنبياء فرقان ، كما أنّ السنة المقدسة فرقان ، والعقل الداعي إلى عبادة الرحمن واكتساب الجنان فرقان ، والعالم الذي يعمل بعلمه فرقان . وكلّ ما يضاف إليه تعالى فرقان مقابل ما يضاف إلى الشيطان . والقرآن أجلى تلك المظاهر بل هي منطوية في القرآن فهو قرآن بوجوده الجمعي ، وفرقان بوجوده التفصيلي ، ولا يختص الفرقان بالتفرق الحسي وبحسب المدارك الظاهرية ، بل يشمل التفرق بحسب جميع المدارك ، قال تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [ الدخان - 4 ] . فجميع التقديرات الإلهية وجميع مراتب قضائه عز وجل من الفرقان ، وفي الحديث : « إنّ الفرقان المحكم الواجب العمل ، والقرآن جملة الكتاب » وهو من بيان بعض المراتب ، وإلا فالقرآن بجميع آياته فرقان .